آخر المستجداتأخبارالأخبارالسلايدرمقالات وآراء

الآلهة الجدد..رونالدو و ميسي وتلك حكاية أخرى..!

حسن إدريسي

    لا حرج في القول إننا نعيش اليوم عصرا وثنيا بمواصفات جديدة هو أقرب إلى الوثنية القديمة، لكنه يختلف عنها قليلا. حيث صارت الملاعب معابدا، واللاعبون آلهة أرضية معروفة بأسمائها. تقدَّس وتمجَّد وتُفْرح وتُغضِب و “التيفووات” و “الإلترات” طقوسا والمكافآت قرابينا و المدربون رهبانا ومرجعاً يُرجع له عند اللزوم !
فالديانات القديمة كانت تقوم في أساسها على صنم أو قوة غيبية تفسَّر بها قِوى الطبيعة، ويعطى لها -في الغالب- طابعا إنسانيا حتى لا تصير غريبة عما هو جار في الواقع، وكانت تُرفع مقاماتها حسب درجة نفوذها. فبقدر سلطتها يكون خضوع العباد وتبعيتهم، وذلك تبعا للتحولات التي تعرفها الطبيعة باعتبارها المتحكم الوحيد في تهدئة الطبيعة عبر الزمان والمكان.

على سبيل المقابلة

  إن الفكرة المحورية التي كانت تُؤطِّر الإنسان القديم هي الشر في مقابل الخير، وهي فكرة تتجسد في شكل أرواح شريرة غير مجسدة وغير مادية. وهي الفكرة التي تؤطر الإيمان في العصور القديمة بصفة عامة. والشر يناقض الخير على الدوام فكان البدائية بذلك يلجأ إلى الساحر أو الكاهن ليستبدل الشر بالخير أو يزكي الخير بالدعوات والقرابين.
     والأمر نفسه ينطبق على الدين الجديد الذي لا جنسية له “كرة القدم” وإن كان يتميز بالمتعة والإثارة الناتجة عن التنافس بل والتناحر القائم بين اللاعبين والمدربين وحتى الجماهير، والذي تجاوز به البعض هذا التنافس الشريف ليدخله في دوامة السحر والشعوذة بنفس الطريقة التي كان يلجأ بها الإنسان القديم للسحرة لأنه يعتقد بقدرتها على حسم النتيجة للصالحه –الخير- 
      أشرنا سابقا إلى عجزُ الإنسان القديم في معرفة الكون وقوى الطبيعة من حوله، و هو ما جعله يعتقد بوجود قوى خفية تتحكم بها و بمصيره و بسعادته و شقائه فصار يصور في مخياله هذه القوى كآلهة تشبهه شكلا وتفوقه قوة. ترضى وتسخط وتجوع، لذا وجب تقديم القرابين لإرضائها.
     إذا كان هذا الإنسان القديم يتماهى مع المجسمات التي كان يضع فيها قلبه وروحه ويخلص لها، يصونها ويزينها ويخضع لها. فما نقوم به اليوم في شأن كرة القدم وأربابها لا يختلف كثيرا عما سلف، خصوصا وأن الملاعب لا تختلف في شكلها وأجوائها وطقوسها عن لتلك المعابد.
     لو عقدنا مقارنة بين مباراة لكرة القدم اليوم والديانة المصرية القديمة مثلا لوجدنا أن المصرين القدامى يؤمنون بتعدد الآلهة، وهو ما نراه اليوم مع جمهور المستديرة حيث انقسم بين أتباع رونالدو الريال، وميسي البارسا. وكل فريق يحاول توضيح أصول وسلوكات وتاريخ الفرقة التي يمثلها كل لاعب، ويبذل كل الجهود لإرضائهم وكسب ودهم، وإذا كانت تركز ممارسة الشعائر الدينية قديماً بشكل أساس على الفرعون -ملك مصر- فالشيء نفسه تقوم به “الإلترات” عندما تركز على نجم الفريق كما الحال مع نجم الريال كريستيانو أوالبارسا ميسي على الرغم من كونهما إنسان. إلا أن الفرعون كان يُعتقد أنه ينحدر من الإله وبالتالي يستمد قوته منه؛ لهذا يلعب دور الوسيط بين الشعب والإله. من هنا كان الجمهور باعتباره شعب الفريق وقائده النجم ملزما بدعمهما من خلال الشعارات/الشعائر، والتحفيزات/القرابين ليتمكنوا من حفظ النظام ومواصلة الانتصارات(الخير). ويتأكد الأمر عندما تقوم الدولة وإدارة الفريق وجمعية الأنصار بتخصيص موارد وأموال كثيرة لأداء تلك الشعائر والطقوس – الشهب النارية، التيفووات،والشعارات…- وينبغي للأفراد/الجمهور أن يتفاعلوا مع اللاعبين/الآلهة من أجل تحقيق أهدافهم وطموحاتهم الشخصية (الانتصارات والتفوق..) و يطلبون مساعدتهم من خلال الصلاة والعبادة أو يجبروهم على العمل من خلال السحر(كما هو الحال مع بعض الفرق الإفريقية التي تلجأ للتمائم). وكلها طقوس مماثلة للطقوس الدينية والعادات الرسمية القديمة.

منطق عالم كرة القدم

    كل ذلك يبرر –بناء على المنطق السابق- ما يبذله الأنصار من جهود كبيرة لتأمين وضمان بقاء فرقهم متألقة في الصدارة. بل ويدافعون عن سمعتها وأحيانا نجد أكثرهم على استعداد للعراك فداء لسمعة الريال أو البارسا، ناهيك عما يدور بين المناصرين من ملاسنات، حتى صار الشاذ الغريب من الناس من يغادر المقهى قبل بداية المباراة وهو أمر لا نستثني منه حتى المثقفين لأنهم كذلك صاروا مسلوبين خاضعين لسحر الكرة وأربابها المشاهير. 
      إذا كانت الديانات القديمة تمثل نظاما متجانسا يتكون من عدد كبير ومتنوع من المعتقدات والممارسات والطقوس المبنية على التفاعل بين عالم الناس وعالم اللاهوت. فالشيء نفسه يقال عن عالم كرة القدم باعتبارها نظاما من الطقوس والممارسات… التي تضمن التفاعل بين عالم الجمهور وعالم اللاعبين. وقد كان لشخصية نجم الفريق حصة الأسد في هذا التفاعل لما يضفيه من سحر يأسر العشاق، ويضمن ريادة الفريق. وبالتالي يؤكد لنفسه التمجيد والتقديس عند العشاق، فيحبونه كما كان البدائي يحب أصنامه ويقدسها ! هكذا ألههم الجمهور كآلهة جدد عادت بنا إلى زمن الوثنية والشرك ! ونصبهم مكانة تجاوزت رجال الدين والملوك.
وتستمر الأزمة في انتظار أن تستفيق عقول العشاق وقلوبها فتحب حبا منطقيا معتدلا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock